مقالات عامة

قصة المثل القائل في الصيف أضاعت اللبن

هذه القصة أو المثل يُضرب عادة فيمن يقوم بتضييع وخسارة خير جاء له بسبب طمعه الشديد، ولعدم رضاه وقناعته بما يملك. ويشاع أن قصة هذا المثال القائل” الصيف ضيعتِ اللبن” حقيقية ووقعت في زمن العصر الجاهلي.

يَروي حُكاة الأمثال والقائلين بها أن بطل هذه القصة يعود إلى أحد وجهاء الجاهلية ويقال له” عمرو بن عمرو بن عُداسٍ”، وهو الذي تزوج قريبته (ابنة عمه) بعد أن صار شيخاً كبيراً وطاعنا في السن، ويروى بأن اسمها كان “دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زرارة”. وكان زوجها رجل سخي جدا وكريم كل الكرم معها، يحبها جدا ويعاملها برق ولطف ويتصف بالحنان الزائد عليها، لكنها وللأسف الشديد لم تقنع بحالها معه، فقد كرهت كبر سنه وتقدمه في العمر.

وكانت زوجته عادة ما تقوم بعمل مقارنات بين حالها مع زوجها وحال صاحباتها اللاتي ارتبطن من شبان دون وجود فارق كبير في السن بينهم، وكانت تتحسر بسبب حظها العاثر والذي جعلها ترتبط بشيخ طاعن في الكبر والسن، وكانت تعتقد بأنها تضيع شبابها وجمالها في ظل زوجها الهرم.

وتناست كل ما لدى زوجها من طيبة وكرم ووجاهة وحنان وعلو ورفعة وغنى وتناست أيضاً بأنه شديد الحب والكرم لها، وظلت كارهت كبره سنه ومظهره متأففة لحالها، إلى ان جاء ذلك الوقت حيث وضع زوجها رأسه في حضنها وغفى فترة وسال بصاقه عليها دون قصد، وعندما استيقظ كانت تذكر علله ومساوئه فقال لها: أتحبين وتُسرين بأن أطلقك؟ فأجابت بنعم، ونزل عند رغبتها وطلقها وكان ذلك في فصل الصيف وشاءت الصدف بأن تتزوج تلك الفتاة بشاب بهي المظهر أنيق الشكل وشديد الجمال من” آل زُرارة”.

ولكن زوجها الشاب لم تكن فيه أي خصال من الشجاعة والكرم أو حتى الوجاهة مقارنة بزوجها الأول، وذات يوم من الأيام أغارت عليهم قبيلة تدعى” بكر بن وائل” وقامت الزوجة الى زوجها لتخبره وكان نائماً عند الاغارة على القبيلة ، من أجل أن يدافع عنها وعن شرفها وعرضها، إلا أنه انتابه الخوف واستعظم الامر وخاف من القتال وبقي متلبداً في مكانه، فقد كان مدللاً في أهله، فأصابه الفزع والخوف وبقي في مكانه جسداً بلا حراك، فقد قضى عليه الموت رعباً. وأصبحت الزوجة سبية لقوم” بكر بن وائل”، وحين أتى الامر على مسامع زوجها الأول، أرسل الرجل جنده وخيرة مقاتليه وفرسانه الاشداء لينقذوها من السبي والذل والمهانة.

وبعد فترة وجيزة من تلك القصة تزوجت الفتاة من شاب آخر، لكنه كان فقيراً لدرجة شديدة حتى أنها كانت تتمنى شرب الحليب الذي كان متوفر وبشكل دائم في بيت زوجها الأول، حتى أنها كانت تشرب الحليب في بيت زوجها الأول بدلاً من الماء في معظم الأوقات لوفرته.

وذات يوم كانت جالسة هي وصاحبتها في خيمة زوجها الفقير، ومرت من باب خيمتها قافلة ضخمة فيها كل أنواع البضائع المحملة على ظهر الإبل. فذهبت لتطلب من مالك تلك القافلة القليل من لبن إبله، فإذا بزوجها السابق والاول عمرو بن عمرو.

وقامت لجاريته وطلبت منها أن تساعدها في ايجاد سيدها، وعندما نظر لها وعرفها قال عمرو لجاريته: قولي لسيدتك” الصيف ضيعتِ اللبن”، أي قولي لسيدتك بأنها اضاعت ما كانت في رفعة وعز ومال وجاه، وإنها قد أسرعت بالزواج من غيره، فكيف لي أن أعطيكِ ما ضيعته وما كان بين يديك سابقاً، فقد آثرت الزواج بمن هم دوني حبا وكرما وجاه وغنى، أحدهم لقي حتفه خوفاً وفزعاً، والآخر من شدة فقره لم يستطع أن يكرمها كما كان يكرمها ، حتى وصل بها الحال أن تشتهي اللبن من عابر سبيل. وصار من ذلك الوقت يضرب به مثلا في كل من ينكر الخير الذي بين يديه، ويتعالى على النعيم الذي يعيشه، ثم يندم أشد الندم بعد ذلك على ما ضيّع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!